السبت، 3 سبتمبر 2011

بنسيلفينيا 1859 - المارد الأسود

بنسيلفينيا 1859
المارد الأسود
ربما يكون أعظم من كتب في تاريخ الإنسانية هو المؤرخ العبقري ويل ديورنت، صاحب أشمل وأجمل موسوعة تاريخية قرأتها حتى الآن، وهي المعروفة بـ"قصة الحضارة". فقد استطاع أن يسجل تاريخ الفكر والثقافة والفلسفة الإنسانية بأسلوب أدبي جميل ومؤثر، قدم من خلالها صورة متكاملة ومختصرة لحكاية الإنسان.
وقد استمر ديورانت يكتب في تلك الموسوعة هو وزوجته "أريل" طوال أربعين عاما. وربما يكون الشعور الأكبر الذي انتابني اثناء قرائتها هو أن التاريخ في الحقيقة عبارة عن حكاية ليس لها بداية ولا نهاية، إنما هو قصة نرويها من نقطة نختارها في لحظة من الزمن.
عندما انتهيت من قراءة الرسالة الإلكترونية عن شيخي الأحمر، لم يكن يدور في ذهني إلا كيفية البحث عن تلك اللحظة الزمنية التي استلهمتها من ديورنت. وقد وجدتها في كلمة لمحت صداها يتردد بجانب اسمه في كل مكان. والغريب أن هذه الكلمة كانت تعيش معي طوال حياتي، ولطالما اعتبرت نفسي أحد أبناءها، أو كما أصبح العالم يصفنا بها ويسمينا "جيل النفط".
كم كان استغرابي كبيرا عندما وجدت صعوبة في بحث مصادر نشوء الصناعة النفطية بشكل دقيق، فقد كنت اعتقد أن هذا المنتج الدولي الهام الذي أصبح المحرك الأول لاقتصادات العالم قد تم تسجيل تاريخه بالتفصيل الكامل، لكن يبدو أن هذا المنتج الذي صار يعرف بـ"الذهب الأسود" لم يكن له نفس الأهمية في بداياته التاريخية.
ربما أراد التاريخ أن يرسم صورة جديدة للعالم عندما جعل أول صناعة للنفط الخام تظهر في أرض جمهورية فتية سيرتبط اسمها وسلطانها بهذا المنتج الذهبي الجديد على تاريخ البشرية. فقد خرج الإنتاج الأول عام 1859م من منطقة تدعى "تيتسل" تابعة لولاية بنسيلفينيا في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تطلب الأمر أكثر من ثلاثين عاما لكي تزدهر هذه الصناعة في أمريكا الشمالية وتفرض نفسها كمصدر بديل للطاقة الصناعية.
وعبر البوابة الأمريكية، انتشرت رائحة النفط إلى جميع دول العالم، محمولة على رياح التغيير التي صارت تنادي بزوال العالم القديم، وتنثر تباشير سقوط امبراطوريات سادت لحقبة من التاريخ، لأنها لم تعرف كيفية الدخول إلى زمن النفط.